ملا محمد مهدي النراقي
100
جامع السعادات
جميع الوجوه لا يتصور أن يكون له شوق ، فالشوق يختص تعلقه بما أدرك من وجه دون وجه ، وهذا إنما يكون بأحد وجهين : ( أحدهما ) أن يتضح الشئ اتضاحا ما ، ولم يستكمل الوضوح ، فاحتاج إلى استكماله فيكون الشوق إلى ما بقي من المطلوب مما لم يحصل . مثال ذلك : إن من غاب عنه معشوقه ، وبقي في قلبه خياله ، يشتاق إلى استكمال خياله بالرؤية ، ومن رأى معشوقه في ظلمة ، بحيث لا تنكشف له حقيقة صورته ، يشتاق إلى استكمال رؤيته بإشراق الضوء عليه ، فلو رآه بتمام الرؤية انتفى الشوق ، كما إنه لو انمحى عن قلبه ذكره وخياله ومعرفته حتى نسيه لم يعقل وجوده . ( وثانيهما ) أن يدرك بعض كمالات المحبوب ، ووصل إليه ، وعلم إجمالا أن له كمالات أخر ، ولم يدركها ولم يصل إليها ، فيكون له شوق إلى إدراك تلك الكمالات . مثال ذلك : أن يرى وجه محبوبه ، ولا يرى شعره ولا سائر أعضائه ، فيشتاق إلى رؤية ذلك . فصل أفضل مراتب الشوق الشوق إلى الله أفضل مراتب الشوق هو الشوق إلى الله - سبحانه - وإلى لقائه ، وهي المضنة إلى الوصول إليه ، وإلى حبه وأنسه والتقرب لديه ، وهو رأس مال السالكين ، ومفتاح أبواب السعادة للطالبين ، والوجهان الموجبان للشوق متصوران في حق الله ، بل هما ثابتان وملازمان لجميع العارفين ، فلا يخلو عارف من الشوق إلى الله : أما الوجه الأول ، فلأن ما اتضح للعارفين مع الأمور الآلهية وأن بلغ غاية الوضوح ، فكأنه من وراء ستر رقيق ، فلا يكون متضحا غاية الاتضاح بل يكون مشوبا بشوائب التخيلات المكدرة للمعلومات والمانعة عن ظهورها اليقيني ، ( لا ) سيما إذا انضاف إليها شواغل الدنيا ، فكمال الوضوح في الأمور الآلهية إنما هو بالمشاهدة وإشراق التجلي ، ولا يكون ذلك في هذا العالم ، بل يكون في الآخرة ، فهذا أحد الموجبين لشوق العارفين إلى الله